عمّان، شارع المدينة، مجمع رنا 2 مقابل مستشفى ابن الهيثم

السبت إلى الأربعاء
9:00 ص – 5:00 م
الخميس للساعة 1:00 م

اتصل بنا

962775819424⁩+

بواسطة

هل سيتكلم طفلي بعد زراعة القوقعة؟

يسأل العديد من آباء الأطفال الذين يعانون من فقدان السمع سؤالًا مهمًا ومشحونًا بالمشاعر: هل سيتكلم طفلي بعد زراعة القوقعة؟ نظرًا لاختلاف النتائج بعد زراعة القوقعة، غالبًا ما يمرّ الآباء بمشاعر الخوف والقلق والشك تجاه مستقبل طفلهم. وقد يؤثر هذا الغموض سلبًا على الحياة الأسرية وعلى عملية اتخاذ القرار. قد تكون رحلة البحث عن إجابات واضحة طويلة ومرهقة. يهدف هذا المقال المكوّن من جزأين إلى توضيح هذا السؤال المعقّد، وأن يكون دليلًا واقعيًا للآباء والمتخصصين عند وضع التوقعات بعد زراعة القوقعة. تُعد زراعة القوقعة واحدة من أبرز الإنجازات التكنولوجية في الطب الحديث. فقد مكّنت آلاف الأطفال والبالغين من استعادة الوصول إلى الصوت، وتطوير مهارات الاستماع، والتواصل بفعالية، وتحقيق النجاح الأكاديمي والاجتماعي. الهدف الرئيسي من زراعة القوقعة لدى الأطفال هو تمكين الطفل من اكتساب لغة منطوقة مناسبة لعمره، مما يسمح له بالاستقلالية في المدرسة والحياة اليومية. ويتطلب تحقيق هذا الهدف تكامل عدة عوامل أساسية تعمل معًا، إذ إن تجاهل أيٍّ منها قد يؤثر بشكل كبير على النتيجة النهائية. تشبه هذه العملية بناء هيكل قوي؛ حيث تكون كل مادة أساسية ضرورية. وبالمثل، تعتمد النتائج الناجحة بعد زراعة القوقعة على مجموعة من العناصر المتداخلة. يناقش هذا المقال أكثر العوامل تأثيرًا، بدءًا من عمر الطفل عند الزراعة، ودرجة فقدان السمع، وجودة برمجة جهاز القوقعة.

عمر الزراعة

يُعد أحد أهم العوامل المؤثرة في تطور اللغة المنطوقة هو العمر الذي تُجرى فيه زراعة القوقعة. وتدعم الأدلة العلمية بقوة التدخل المبكر بعد تشخيص فقدان السمع. كلما كان الطفل أصغر سنًا وقت الزراعة، كانت النتائج أفضل غالبًا. إذ يتطور الدماغ من الناحيتين البنيوية والوظيفية بناءً على المدخلات الحسية التي يتلقاها. وعند غياب المدخلات السمعية، يعيد الدماغ تنظيم نفسه تبعًا لذلك. تشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين تُزرع لهم القوقعة في عمر سنة واحدة تكون لديهم فرصة أعلى للوصول إلى لغة مناسبة لأعمارهم بحلول سن السادسة مقارنةً بالأطفال الذين تُجرى لهم الزراعة في عمر سنتين. كما أن الأطفال الذين يخضعون للزراعة المبكرة يواجهون تحديات أكاديمية أقل في مراحل لاحقة من حياتهم. توصي بعض الدول حاليًا بإجراء زراعة القوقعة قبل عمر السنة. بينما تعتمد دول أخرى على وزن الجسم بدلًا من العمر كمعيار. ومع ذلك، فإن العمر وحده لا يضمن النجاح، بل يجب دعمه بعوامل إضافية.

درجة فقدان السمع

في السنوات الأخيرة، توسّعت معايير الترشيح لزراعة القوقعة لتشمل الأطفال الذين لديهم بقايا سمعية ملحوظة ولا يستفيدون بشكل كافٍ من المعينات السمعية. في السابق، كانت زراعة القوقعة مقتصرة على الأطفال ذوي فقدان السمع الشديد جدًا (أكثر من 90 ديسيبل). أما اليوم، فقد يصبح الأطفال المصابون بفقدان سمع شديد (أكثر من 70 ديسيبل) مؤهلين للزراعة إذا لم تساعدهم المعينات السمعية على تطور لغوي مناسب. تشير الأبحاث إلى أن الأطفال الذين يتمتعون ببقايا سمعية أفضل غالبًا ما يحققون نتائج أسرع وأقوى بعد زراعة القوقعة. تؤكد الإرشادات السريرية الحديثة على قدرة تمييز الكلام باستخدام المعينات السمعية. فإذا كان الطفل يحقق نسبة تمييز كلام تبلغ 60% أو أقل أثناء استخدام المعينات السمعية، فإنه يُعد مرشحًا قويًا لزراعة القوقعة.

جودة برمجة جهاز القوقعة

لا تنتهي عملية زراعة القوقعة عند الجراحة. بل تبدأ بعدها مرحلة حاسمة تُعرف بـ تفعيل الجهاز وبرمجته. أثناء البرمجة، يتم إدخال الصوت إلى الدماغ بشكل تدريجي. ويتحكم أخصائي السمعيات في شدة الصوت ووضوحه وتوازن الترددات. وتُعد البرمجة السليمة أمرًا أساسيًا لتحقيق إدراك دقيق للكلام. يتفق الخبراء الروّاد على أن الوصول إلى برمجة مثالية يجب أن يتم خلال شهر واحد من التفعيل. ويتمثل الهدف في تحقيق عتبات سمعية مدعومة تتراوح بين 20–30 ديسيبل عبر جميع ترددات الكلام. قد تؤدي البرمجة المتأخرة أو غير الدقيقة إلى صعوبات طويلة الأمد في الكلام واللغة. ويؤكد الخبراء أن تقديم برمجة عالية الجودة للأطفال يُعد مسؤولية أخلاقية ومهنية.

في هذا القسم، نستعرض عناصر إضافية لا تقل أهمية عن غيرها لنجاح

تطور اللغة المنطوقة.

التعرّض الغني للغة

بعد أن يحقق الطفل وصولًا سمعيًا مثاليًا، فإنه يحتاج إلى تعرّض مكثف وهادف للغة المنطوقة. فاللغة تتطور من خلال التفاعل اليومي، والتكرار، والانخراط العاطفي. يُنصح الآباء بالتحدث باستمرار مع أطفالهم، ووصف الأنشطة اليومية، والحفاظ على حوارات مفتوحة. إذ تمثل كل نشاطات الروتين اليومي فرصة لتعلّم اللغة. قد تكون المراحل المبكرة صعبة، وقد يبدو التقدم بطيئًا. وهنا تبرز أهمية الإرشاد المهني ودعم الوالدين.

الاستخدام اليومي لجهاز القوقعة

يُعد الاستخدام المنتظم للجهاز أمرًا بالغ الأهمية. إذ تُظهر الأبحاث أن الأطفال الذين يرتدون جهاز القوقعة 10 ساعات أو أكثر يوميًا يحققون تقدمًا ملحوظًا في اللغة. أما الأطفال الذين يستخدمون الجهاز أقل من ست ساعات يوميًا، فغالبًا ما يُظهرون تحسنًا محدودًا. ويضمن الاستخدام طوال اليوم تطورًا متوازنًا للمناطق السمعية والبصرية في الدماغ. إذا رفض الطفل ارتداء الجهاز، فإن السبب الأكثر شيوعًا هو سوء البرمجة أو عدم الراحة الصوتية، وليس رفض السمع بحد ذاته.

وجود حالات طبية إضافية

لا يمكن التنبؤ بنتائج زراعة القوقعة دون النظر إلى الحالة الصحية العامة للطفل. إذ إن حوالي 40% من الأطفال الذين يعانون من فقدان السمع لديهم حالات طبية أو نمائية إضافية. قد تشمل هذه الحالات تشوهات في الأذن الداخلية، أو حالات عصبية، أو متلازمات وراثية، أو صعوبات حركية ومعرفية، وجميعها قد تؤثر في المعالجة السمعية وتطور اللغة. يحتاج الأطفال ذوو الاحتياجات الطبية المعقدة إلى خطط تدخل فردية وتوقعات واقعية.

الخلاصة النهائية

نعم، العديد من الأطفال يطوّرون لغة منطوقة بعد زراعة القوقعة. ومع ذلك، فإن النجاح يعتمد على مجموعة من العوامل المترابطة، وليس على الجراحة وحدها. تلعب الزراعة المبكرة، والبرمجة الدقيقة، والاستخدام الكامل للجهاز طوال اليوم، والتعرّض الغني للغة، ومشاركة الأسرة، والحالة الصحية العامة أدوارًا أساسية في تحديد النتائج. ومع الدعم المناسب والتدخل المبني على الأدلة، يمكن لزراعة القوقعة أن تصبح مسارًا مُغيّرًا للحياة نحو التواصل والاستقلالية والاندماج.