المرحلة الأولى بعد زراعة القوقعة: البرمجة وبناء الأساس السمعي
بعد جراحة زراعة القوقعة، يبدأ فصل جديد وحاسم في الرحلة السمعية للطفل. وتُعد هذه المرحلة لا تقل أهمية عن الجراحة نفسها، إذ يعتمد النجاح طويل الأمد لزراعة القوقعة بشكل كبير على ما يأتي بعدها.
تُعرف هذه المرحلة باسم مرحلة البرمجة (Mapping)، وتمثّل الخطوة الأولى بعد تفعيل الجهاز. وقد تستمر لعدة أسابيع، وأحيانًا لفترة أطول، وذلك تبعًا لحالة الطفل الفردية واستجابته السمعية.
خلال هذه المرحلة، يجب أن تكون التوقعات واقعية ومبنية على الأدلة العلمية، لا على الاستعجال أو المقارنة بالآخرين.
ما الهدف من مرحلة البرمجة؟
في هذه المرحلة، لا يكون الهدف هو الكلام أو اللغة أو الفهم الواضح للأصوات.
الهدف الأساسي هو بناء أساس سمعي آمن، مريح، وتدريجي يسمح لدماغ الطفل بالتكيّف مع إشارات صوتية لم يسبق له معالجتها من قبل، أو لم يعالجها منذ فترة طويلة.
إن إدراك الصوت بعد زراعة القوقعة هو عملية تعلّم عصبية. يحتاج الدماغ إلى وقت ليتعرّف على هذه الإشارات الكهربائية الجديدة، ويتقبّلها، وينظّمها قبل أن يتمكن من تفسيرها بشكل ذي معنى.
ماذا يحدث خلال برمجة جهاز القوقعة؟
البرمجة هي عملية سريرية دقيقة يجريها أخصائي السمعيات، وتشمل ضبط شدة الصوت التي يقدّمها كل قطب كهربائي داخل القوقعة.
الهدف هو التأكد من أن الأصوات مسموعة، مريحة، وغير مهدِّدة للطفل.
في الجلسات الأولى، يتم إبقاء مستويات الصوت منخفضة جدًا عن قصد. قد يشعر بعض الآباء أن طفلهم «لا يسمع»، لكن في الواقع يكون الدماغ قد بدأ أولى خطواته نحو التطور السمعي.
هذا النهج التدريجي ضروري للغاية. فرفع مستويات الصوت بسرعة أو تجاوز هذه المرحلة قد يؤدي إلى نتائج سلبية مثل الانزعاج، أو النفور من الصوت، أو رفض ارتداء الجهاز.
لماذا تُعد البرمجة التدريجية مهمة جدًا؟
لا يتكيّف الجهاز العصبي السمعي بشكل مفاجئ. وتدعم الأبحاث العلمية بقوة البرمجة البطيئة والمراقَبة بعناية، خاصة خلال الأسابيع الأولى بعد التفعيل.
إن دفع مستويات الصوت بسرعة قد يربك الدماغ ويخلق تجارب سمعية سلبية، مما قد يؤثر على علاقة الطفل بالصوت على المدى الطويل.
لهذا السبب، يُوصى بشدة بالمتابعة القريبة والمتكررة خلال الأسابيع الأولى.
السلوكيات المتوقعة خلال هذه المرحلة
خلال مرحلة البرمجة، قد يُظهر الأطفال استجابات سمعية بسيطة لكنها ذات دلالة مهمة.
قد تشمل هذه الاستجابات الالتفات نحو الصوت، أو التوقف المفاجئ، أو تغيّرات في تعابير الوجه، أو إيقاف الحركة عند سماع صوت جديد.
تُعد هذه السلوكيات مؤشرات سمعية إيجابية، حتى وإن لم يكن الطفل يفهم الكلمات أو يستجيب لفظيًا بعد.
في هذه المرحلة، لا يُتوقع فهم اللغة اليومية أو العبارات المألوفة، وهذا أمر طبيعي تمامًا.
دور الأهل ومقدّمي الرعاية
يُعد دور الأهل في هذه المرحلة دورًا محوريًا.
أهم عامل للنجاح هو الاستخدام المنتظم لجهاز القوقعة طوال ساعات الاستيقاظ، حتى عندما يبدو التقدم محدودًا.
كل ساعة من التعرّض السمعي تساهم في بناء المسارات العصبية في الدماغ. فالتطور السمعي لا يعمل كمفتاح تشغيل وإيقاف، بل كعملية تراكمية تنمو مع التعرض اليومي.
يُنصح الأهل بالتحدث بشكل طبيعي مع طفلهم خلال الروتين اليومي مثل اللعب، وتناول الطعام، والاستحمام، والأنشطة الخارجية.
لا حاجة لرفع الصوت، أو المبالغة في النطق، أو اختبار الطفل. ففي هذه المرحلة، التعرّض السمعي الطبيعي أهم بكثير من التدريب المنظّم.
مفاهيم خاطئة شائعة يجب تجنّبها
من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا توقّع ظهور الكلام أو فهم اللغة في وقت مبكر خلال مرحلة البرمجة.
الحقيقة العلمية واضحة: لا يُتوقع ظهور كلمات أو جمل أو فهم لغوي في هذه المرحلة، لأن عملية السمع لا تزال غير مكتملة.
وأي وعود بنتائج كلامية سريعة خلال هذه الفترة لا تستند إلى أدلة علمية، وقد تفرض ضغطًا غير ضروري على الطفل والأسرة.
أهمية الفريق المتخصص
يُعد التواصل المستمر مع أخصائي السمعيات ومعالج السمع والنطق أمرًا أساسيًا.
حتى الملاحظات البسيطة من الأهل قد تساعد في تحسين إعدادات البرمجة وزيادة راحة الطفل وتقدّمه السمعي.
يضمن هذا النهج التعاوني أن تكون جميع القرارات داعمة لجاهزية الطفل العصبية ورفاهيته النفسية.
الخلاصة: مرحلة تأسيس لا مرحلة نتائج
مرحلة البرمجة ليست مرحلة نتائج ظاهرة، بل هي مرحلة تأسيس.
فهي تضع الجذور لتطوّر سمعي صحي، وتقبّل إيجابي لجهاز القوقعة، ونجاح طويل الأمد في العلاج السمعي-اللفظي.
الصبر، والاستمرارية، والثقة بالمسار هي مفاتيح النجاح.
في مركز قوقعة للسمع و النطق، نؤمن بأن الأسس السمعية القوية تصنع مستمعين واثقين، والمستمع الواثق ينمو ليصبح متواصلًا ناجحًا.